سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
76
رسائل في الفلسفة والعرفان
واردةلعلّك فيما سبق لك تنبّهت إلى أنّ المجرّد ليس مَحتِداً للتغير والتبدّل والكون والفساد ؛ لتنزّهه عن الحركة الحسّيّة المقتضية لذلك ، فالنفوس الناطقة الإنسانيّة باقية ببقاء الوجود ، ولما كان الوجود في جميع مراتبه فعّالًا ، فللنفس الناطقة من الأفعال على حسب رتبتها ، وهو في بدنها ليس إلّاالتدبير ، أمّا بعد مفارقتها البدن الإنساني فافترفت الطوائف في حكمها : فمن قائل : بأنّ النفس ليس لها حالة إلّاوهي مدبّرة لبدن الإنسان ، فلا تتدنى عنه إلى الحيوان والنبات ، ولا تفتر عن التدبير ، وكلّما خَلِق ثوبٌ لبست آخر من هذا النوع بعينه ، فهو مظهر خيرها وشرّها وعذابها ونعيمها . ومن قائل : بأنها إذا تعطّل البدن ظهر لها ملكاتها وإدراكاتها ، فكان لها بذلك إمّا الحزن والأسف ، وإمّا الفرح والابتهاج ، فلا تتعلق ببدن ما دامت تلك الملكات فيها ، فإذا زالت تلك ، وصارت ساذجة ، تعود إلى تدبير النبات ، وتترقّى إلى الإنسانية وهكذا ؛ لشوقها إلى مرتبتها من التدبير لهذا العالم . ومن قائل - وهم الحكماء - : إنّ النفس قد تفارق هذا البدن إلى غير النهاية ، ولما كان الحقّ في جميع مراتبه فعالًا كما سبق ، وكان للنفس بذلك رتبة الفعل ، فتمام ظهورها يكون في عالم التعقّل والتخلّق ، كولد سلطان يشتاق إلى مرتبة أبيه ، ولكن لقصوره ينزوي إلى بعض الجهات ، ويظهر سلطنته فيها ، وبه يتسلّى ، ويكون متلذّذاً مبتهجاً يعزل ويولّي ، ويعزّ ويذلّ ، فكذا النفس في عالم التعقّل والتخلّق ، فإن أصلحته ورتّبته على ما هو عليه [ 1 ] ، كانت بعد فراق البدن وجوداً في عالمها
--> [ 1 ] كذا ، والصحيح : فإن أصلحتها ورتّبتها على ما هي عليه . . . .